المحقق البحراني
18
الكشكول
أبي طالب ومعه رهط عتاة من الذين شزرت حماليق أعينهم من حسدك وبدرت حنقا عليك ، وقرمت آماقهم بمكانك منهم ابن ياسر ، والمقداد ، وابن جنادة أخو غفار ، وابن العوام ، وغلامان أعرف أحدهما بوجهه وغلام أسمر لعله من ولد عقيل أخيه فتبين لي المنكر في وجوههم والحسد في احمرار أعينهم ، وقد توشح علي بدرع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولبس رداءه السحاب ، ولقد أسرج له دابته العقاب ، وقد نزل على عين ماء اسمها روية ، فلما رآني اشمأز وبرز وأطرق موحشا يقبص على لحيته ، فبادرته بالسلام استكفاء لشره واتقاء وحشته ، واستغنمت سعة المناخ ، وسهولة المنزل ، فنزلت ومن معي ، بحيث نزلوا اتقاء مراوغته فبدأني ابن ياسر بقبيح لفظه ، ومحض عداوته ، فقرعني هزءا بما تقدمت به إلي بسوء رأيك ، فالتفت إلي أصلع الرأس وقد ازدحم الكلام في حلقه . كهمهمة الأسد أو قعقعة الرعد ، فقال لي بغضب منه : ( أو كنت فاعلا يا أبا سليمان ) فقلت أي واللّه لو أقام على رأيه لضربت الذي فيه عيناك فأغضبه قولي إذ صدقته وأخرجه إلي طبعه الذي أعرفه به عند الغضب ، فقال : ( يا بن اللخناء أمثلك من يقدم على مثلي أو يجسر أو يدير اسمي في لهواته التي لا عهد لها بكلمة حكمة ، ويلك إني لست من قتلاك ، ولا من قتلى صاحبك ، وإني لأعرف بمنيتي منك بنفسك ) ثم ضرب بيده إلى ترقوتي فنكسني عن فرسي وجعل يسوقني دعا إلى رحى للحارث بن كلدة الثقفي ، فعمد إلي القطب الغليظ ، فمد عنقي بكلتي يديه وأداره في عنقي ينفتل له كالعكك المسخن ، وأصحابي هؤلاء وقوف ما أغنوا عني شرته ، فلا جزاهم اللّه عني خيرا ، فإنهم لما نظروا كأنهم نظروا إلى ملك موتهم ، فوالذي رفع السماء بلا أعماد ، لقد اجتمع على فك هذا القطب مائة رجل أو يزيدون من أشد العرب فما قدروا على فك دور ، فدلني عجز الناس عن فكه أنه سحر منه أو قوة الف ملك قد ركبت فيه ، ففكه الآن عني إن كنت فاكه ، وخذ لي بحقي إن كنت آخذه ، وإلا لحقت بدار عزي ، ومستقر مكرمتي قد البسني ابن أبي طالب من العار ما صرت به ضحكة لأهل الديار . فالتفت أبو بكر إلى عمر ، وقال : ما ترى إلى ما يخرج من هذا الرجل كأنّ ولايتي ثقل على كاهله أو شجى في صدره ، فالتفت إليه عمر ، فقال : فيه دعابة لا يدعها حتى تورده ، فلا تصدره ، وجهل ، وحسد قد استحكما في خلده ، فجريا منه مجرى الدم ، لا يدعانه حتى يهينا منزلته ، ويورطاه ورطة الهلكة : ثم قال أبو بكر لمن بحضرته ادعوا لي سياف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وكان ( قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ) فليس لفك هذا القطب غيره ، قال : وكان قيس رجلا طويلا طوله ثمانية عشر شبرا